أبو حامد الغزالي
94
محك النظر
والإثبات ، فإن كانتا مثبتتين لم ينتجا لأن حاصل هذا النظم يرجع إلى الحكم بشيء واحد على شيئين وليس من ضرورة كل شيئين يحكم عليهما بشيء واحد أن يخبر بأحدهما عن الآخر ، فإنا نحكم على السواد والبياض جميعا باللونية ولا يلزم أن يخبر عن السواد بأنه بياض ولا عن البياض بأنه سواد ، ونظم القياس فيه أن يقال كل سواد لون وكل بياض لون فكل سواد بياض أو كل بياض سواد واللون هو المتكرّر وقد جعل خبرا في المقدمتين ، ولم ينتج بين المعنيين لا اتصالا ولا انفصالا ، نعم كل شيئين أخبر عن أحدهما بما يخبر عن الآخر بنفيه يجب أن يكون بينهما انفصال وهو النفي ، وبرهانه عكس المقدمة النافية ليعود إلى النظم الأول . النظم الثالث : أن تكون العلة مبتدأ في المقدمتين جميعا . فهذا إذا جمع شروطه كان منتجا ، ولكن نتيجة خاصة لا عامة ، مثاله كل سواد عرض وكل سواد لون فيلزم منه أن بعض العرض لون ، وكذلك إذا قلت كل بر مطعوم وكل بر ربوي فيلزم منه بالضرورة أن بعض المطعوم ربوي . وبيان وجه دلالته ولزوم النتيجة منه بالإجمال أن الربوي والمطعوم حكمنا بهما على شيء واحد وهو البر فيلزم بالضرورة بينهما التقاء ، وأقل درجات الالتقاء أن يوجب حكما خاصا وإن لم يكن عاما فأمكن أن يقال بعض المطعوم ربوي حكما خاصا ، وإن لم يكن عاما وبعض الربوي مطعوم ، وإن لم يمكن أن يقال بمجرد هذا كل واحد مطعوم ربوي أو كل ربوي مطعوم . وأما تفصيل تفهيمه فهو بأن تعكس المقدمة التي ذكرناها أولا وهو قولنا كل بر مطعوم ، وقد ذكرنا أن المثبتة العامة تنعكس مثبتة خاصة ، فإن صدق قولنا كل بر مطعوم صدق قولنا بعض المطعوم بر فتبقى المقدمة الثانية ، وهو أن كل بر ربوي ويرجع إلى النظم الأول ، إذ يصير المطعوم الذي هو المتكرر مبتدأ في إحدى المقدمتين خبرا في الأخرى ، وشرط الإنتاج في هذا النظم أن تكون المقدمة الأولى التي فيها المحكوم عليه مثبتة ولا تكون نافية كما شرطنا ذلك في النظم الأول ، فإن كانت نافية لم تلزم